رسالة من صديقك المثلي

كاتب هذا المقال فضّل أن يبقى مجهول الهوية

كيف أبدأ.. اجلس هنا في سريري بعد بضعة أيام من ضجة حول اعتراض هيئة العلماء المسلمين في لبنان على بعض الفعاليات لجمعيات تدافع عن حقوق المثليين. بضعة أيام، قرأت خلالها عددا لا يحصى من التعليقات والمقالات المناهضة المثلية، من منطلق الحرص على المجتمع، والأخلاق، والدين، والعائلة، والشرف، والعرض، وغيرها من الكلمات الفضفاضة التي نعلق عليها كل شيئ قد لا نفهمه.

انا شاب لبناني في منتصف العشرينات من العمر، ونعم، انا مثلي، وماذا يعني هذا الكلام؟ كوني مثلي…

هذا لا يعني أن أشعر بأنني فتاة، طبعاً لا، انا شاب، ومدرك لذلك، إذ أن الهوية الجنسية (مثلي، مغاير، الخ) لا علاقة لها بالهوية الجندرية (ذكر، أنثى، الخ).لم أكبر مع اخوات بنات ولم ارتد ملابسهن، إذ أنني الأكبر بين اخوتي. وطوال طفولتي كنت أحب الرياضة.

كما ولم يعتد علي أحد، أو يتحرش بي، أو يلمسني، طوال فترة طفولتي حتى الآن. لم أتأثر بأحد كان السبب في ترغيبي بالمثلية، إذ أنها لطالما كانت التوجه الطبيعي والغريزي بداخلي.

لم اتحول للمثلية بعد أن كنت قد مللت من الجنس الآخر، إذ أن أول خيالاتي الجنسية كانت تجاه الذكور، منذ كان عمري 7 أو 8 سنوات، بشكل طبيعي للغاية. ولم أفكر بأي بنت، جنسياً ولا عاطفياً طوال حياتي.

ولم أتحول للمثلية، استكمالاً لحياة مليئة بالذنوب والمعاصي، أو جريمة ومخدرات وغيرها.. بل بالعكس، كانت تربيتي دينية ولطالما كنت محافظاً على الصلوات الخمس، وفي المسجد قدر الإمكان.

كما ولم أنشأ في عائلة مفككة، أو في ظل مشاكل أسرية استثنائية، امي وابي كلاهما يحبني ولطالما كنت متفوقاً في المدرسة وكان الجو في المنزل عادياً جداً كأي أسرة طبيعية،

الرجل المغاير، لديه مشاعر تجاه المرأة، والمرأة تجاه الرجل. هذه المشاعر تترجم عاطفياً وجنسيا إذ كلاهما يرغب الآخر، وتجمهما روابط الحب، هم لا يبحثون عن الشهوة بالضرورة، إذ أن علاقتهما أسمى من ذلك، أما المثليين، دائماً يتهمون بأنهم يبحثون عن الشهوات، وهذا الأمر غير صحيح، الكل يبحث عن الشهوات بطريقة أو بأخرى، فقط المغايرين طريقهم مفتوح وعندهم السبل للوصول للسعادة هذه. المثليين لديهم مشاعر، يشعرون بالحب، يرغبون ببناء عائلة، ومساعدة غيرهم من الناس، المثليون منهم الأب والأم، الطبيب المهندس، المعلم، المدير، العامل، السائق، القاضي، الخ من الفئات العاملة في المجتمع، كونهم مثليين لا يضعهم في خانة مختلفة عن بقية الناس ولا يجعلهم عاجزين عن المشاركة في بناء المجتمع.

أرى الكثير يخطئون ويشبهون المثلية بعلاقات أخرى مثل التعدي على الأطفال، أو الحيوان، وفعلاً أتعجب من هذا التشبيه. العلاقات العاطفية والجنسية بين البشر يلزمها عنصر الوعي والتوافق بين الطرفين. أي حالة تختلف عن ذلك هي اعتداء، أو اغتصاب، مهما كان جنس المعتدى عليه.

المثلية ليست معدية، ولن تؤدي إلى انقراض البشرية. هنالك نسبة معينة من المثليين، لن تقل، ولن تكثر سواء كانوا في السر أو في العلن. المغاير لا يمكنه أن يجرب، ويتحول للمثلية طالما لم يكن مثليا من البداية، وبنفس الشكل، المثلي ليس بإمكانه التحول.

قد يكون أخوك مثليا، أو اختك، ابوك، امك، أو أي أحد من أفراد عائلتك. هذا لا يعني أنهم ينتمون لنصف آخر من البشر. هم لم يختاروا أن يكونوا مثليين كما أنك أنت لم تختر أن تكون مغايرا. أنت لا تختار لون عينيك أو شعرك، وكذلك الهوية الجنسية ثابتة ولا يمكن تغييرها، يمكن فقط الاعتراف بها وتقبلها كنوع آخر من التنوع الذي يثري الاختلافات بين البشر.

وهنا تكمن فكرتي الأساسية، إذ أن البشر فيهم كم هائل من التنوع، على مختلف الأصعدة. ومع تطور الأزمان نكتشف المزيد من هذا التنوع. في الماضي كان البشر موزعين ضمن قبائل وشعوب، ذكر وأنثى، وكانت الدعوة الاجتماعية الإصلاحية تحث على التعارف، وأن لا فضل لأحد منهم على الآخر. لماذا ننكر على أنفسنا الاكتشافات الجديدة في النفس والبيولوجيا البشرية التي تكشف لنا المزيد من مستويات التنوع، لماذا لا نتعلم، ونحاول معرفة الحكمة من هذا التنوع؟

لماذا ننبذ مباشرة كل جديد، وكل ما لا نفهمه للوهلة الأولى، بدلاً من الحوار والتعلم، ومحاولة التعرف على الآخر المختلف..؟

ما الحكمة من وجود نسبة 10% من المثليين على الأرض؟ هل هو وسيلة طبيعية للحد من التزايد السكاني؟ هل للمثليين طباع معينة تفيدهم في لعب أدوار في المجتمع، أعمام مساندين لعوائلهم، أو أشخاص يتبنون ويعتنون باليتامى ممن فقدوا ذويهم أو تم هجرهم؟ أشخاص ليس لديهم نزعة للعنف، يساهمون في الحفاظ على المجتمع والعائلة وحمايتها من التفكك؟ فلنحاول أن نتفهم بدل أن نرفض مباشرة..

لربما معظم من لديهم رهاب المثلية لم يتلقوا أو يتحدثوا مع شخص مثلي في حياتهم، ولذلك يصعب عليهم تخيل المثليين كأشخاص يشبهونهم جداً. الكثير منهم يرفضون المثلية كونها تتعارض مع القيم الدينية. كوني تربيت في عائلة مسلمة، عندي بعض الاقتراحات. لن ادخل في تفاصيل المواضيع التالية، وإنما سوف اطرح بعض الأسئلة، وبإمكان القارئ أن يذهب ويبحث عن الدلائل والاجوبة بنفسه.

المثلية موضوع شائك لا يريد أحد البحث فيه، وبالتالي يرجعون للتفاسير القديمة والاستنتاجات الغير دقيقة. هل كان قوم لوط فعلاً مثليين؟ غريزيا؟ ام كانوا مغايرين ومغتصبين؟ هل كانت لديهم الشهوة الغريزية تجاه النساء، ولكن تركوها وكانوا مسرفين؟ هل كان لديهم تصرفات أخرى توجب العقاب؟ هل التفاسير القديمة لعبارة “غير أولي الإربة من الرجال” دقيقة اليوم؟ ألا تنطبق على المثليين من الرجال وهكذا يكون القرآن قد ذكر المثليين في موضع طبيعي ليس فيه تجريم؟ ما قصة “المخنث” الذي كان يدخل ويجلس مع زوجات الرسول، من دون أن يعترض الرسول على ذلك إلا عندما سمعه يمدح جمال امرأة فعلم عندها انه لربما لم يكن مثليا فطلب من زوجاته أن لا يدخل عليهن بعد ذلك؟

في الماضي كانت العبودية نظاماً سائدا ولم يكن ليخطر على بال أحد أن يتساوى جميع الناس بمختلف ألوانهم، وها نحن اليوم أمام تنوع مماثل لم يكن مناسباً لعقول العصور السابقة، وعلينا اليوم أن نساهم في تحريك عجلة التاريخ إلى الأمام، لا أن نقف في مكاننا حائرين كمن وقف سابقاً ضد المساواة بين الناس بسبب لون بشرتهم، إذ أن كلا لون البشرة والهوية الجنسية، أمر ثابت لم يقرره صاحبه وليس بإمكانه تغييره. وكما يتساوى جميع الناس اليوم بحقوقهم وواجباتهم، من حق المثليين أن يكونوا جزءاً من هذا النسيج بشكل علني ومفتوح، وأن يعيشوا حياتهم مثل كل الناس بشتى اختلافاتهم.

Advertisements

Leave a Reply - in Elvish or Parseltongue, only.

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s